محمد أبو زهرة

116

المعجزة الكبرى القرآن

اللّه تعالى الكونية والقرآنية ، والتفكير في النفس وفي الحس ، كل ذلك من دلائل الإعجاز وسره . ولقد قال سبحانه في ذلك : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ( 41 ) [ الإسراء : 41 ] ، أي أن التصرف لزيادة التنبيه ، وكلما زاد تنبيههم بالحق وإرشادهم ازدادوا نفورا ، فزادوا كفرا ، وقال تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ( 89 ) [ الإسراء : 89 ] ، أي أن اللّه تعالى صرّف في القرآن بضرب الأمثال وبيان الأحوال ، رجاء أن يؤمنوا ، ولكن سبق الكفر إليهم جعلهم يأبون الإيمان باللّه والخضوع له ، فزادوا نفورا عن الحقائق ، كما ينفر المريض السقيم عن الدواء الناجع ، والغذاء الصالح ، وقال تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ( 54 ) [ الكهف : 54 ] ، ذكر اللّه تعالى أنه يصرف القرآن بذكر الأمثال والأحوال ، ولكن الذين سبق الضلال إليهم يجادلون ، والجدل في الحق الواضح المبين يطمس الحقائق ، ويطفئ النور ، ويختفى نور الحق وسط الأقوال المتضاربة والأهواء المتنازعة . وقال تعالى : وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ( 113 ) [ طه : 113 ] . وقال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [ الأنعام : 46 ] . وقال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [ الأنعام : 65 ] . وقال تعالى : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 ) [ الأنعام : 105 ] ، أي نصرف الآيات ليفقهوه ويدركوا الحق إن كانوا غير ضالين ، ولم يطمس على قلوبهم ، وليقولوا درست وتعلمت ويكذبوا أن طمس على قلوبهم ولم يؤمنوا بالحق ، كما قالوا يعلمه غيره ، ورد تعالى عليهم بقوله : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [ النحل : 103 ] ، وقال تعالى : كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ [ الأعراف : 58 ] . 72 - وبهذه النصوص الكريمة تبين أن القرآن كان يصرف الآيات ، بمعنى أنه يتضمن الأمر بالتوحيد والتكليفات الشرعية التي بها صلاح المجتمع وتكوين مدينة فاضلة تحترم فيها حقوق الإنسان احتراما كاملا ، بأوجه مختلفة من البيان ، من تهديد وإنذار ، إلى تبشير وتوبيخ واستنكار ، ودعوة إلى التأمل في خلق اللّه تعالى ، وفي الأنفس ، ومن قصص يدركها أولو الألباب لسياق العبر والمثلات ، وهكذا تتنوع أساليب القول ومناهج التأثير ، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .